ابن قيم الجوزية
189
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ، ثم أتت بالاسم المبهم ، ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ، ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم ، فيتحصنون من العسكر ، ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول ، وهو خشية أن يصيبهم معرة « 1 » الجيش ، فيحطمهم سليمان وجنوده ، ثم اعتذرت عن نبيّ اللّه وجنوده ، بأنهم لا يشعرون بذلك ، وهذا من أعجب الهداية . وتأمل كيف عظم اللّه سبحانه شأن النمل بقوله : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) [ النمل ] ثم قال : حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ( 18 ) [ النمل ] فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ، ودل على أن ذلك الوادي معروف بالنمل ، كوادي السباع ونحوه ، ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم ، فقد عرفت هي والنمل أنّ لكل طائفة منها مسكنا ، لا يدخل عليهم فيه سواهم ، ثم قالت : لا يحطمنّكم سليمان وجنوده ، فجمعت بين اسمه وعينه ، وعرّفته بهما ، وعرّفت جنوده وقائدها ، ثم قالت : وهم لا يشعرون ، فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ، ويدخلوا مساكنهم ، ولذلك تبسّم نبيّ اللّه ضاحكا من قولها ، وإنه لموضع تعجب وتبسم . وقد روى الزهري عن عبيد « 2 » اللّه بن عبد اللّه بن عتبة « 3 » ، عن ابن عباس أن : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصّرد » « 4 » .
--> ( 1 ) معرّة : إثم ( المقصود : الأذى ) . ( 2 ) تحرفت في المطبوع إلى : « عبد » . ( 3 ) تحرفت في المطبوع إلى : « عيينة » . ( 4 ) صحيح . رواه أحمد ( 1 / 332 ، 347 ) ، وأبو داود ( 2567 ) ، وابن ماجة ( 3224 ) عن ابن عباس .